ابن أبي الحديد
132
شرح نهج البلاغة
كان أكرمها وابن أكرمها ، إلا ما جعل الله لنبيه صلى الله عليه ، فإنه انتجبه ( 1 ) وأكرمه ، ولو أن أبا سفيان ولد الناس كلهم لكانوا حلماء ( 2 ) . فقال له صعصعة بن صوحان : كذبت ! قد ولدهم خير من أبي سفيان ! من خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا له ، فكان فيهم البر والفاجر ، والكيس والأحمق ( 3 ) . * * * قال : ومن المجالس التي دارت بينهم ، أن معاوية قال لهم : أيها القوم ردوا خيرا أو اسكتوا ، وتفكروا وانظروا فيما ينفعكم والمسلمين ، فاطلبوه وأطيعوني . فقال له صعصعة : لست بأهل ذلك ! ولا كرامة لك أن تطاع في معصية الله . فقال : إن أول كلام ابتدأت به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعة رسوله ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ( 4 ) . فقالوا : بل أمرت بالفرقة وخلاف ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله . فقال : إن كنت فعلت فإني الآن أتوب ، وآمركم بتقوى الله وطاعته ، ولزوم الجماعة ، وأن توقروا أئمتكم وتطيعوهم . فقال صعصعة : إن كنت تبت فإنا نأمرك أن تعتزل عملك ( 5 ) ، فإن في المسلمين من هو أحق به منك ، ممن كان أبوه أحسن أثرا في الاسلام من أبيك ، وهو أحسن قدما في الاسلام منك . فقال معاوية : إن لي في الاسلام لقدما ، وإن كان غيري أحسن قدما مني ، لكنه
--> ( 1 ) انتجبه : اصطفاه واختاره ، وفي الطبري : " انتخبه " . ( 2 ) عبارة الطبري : " ولو ولد الناس لم يلد إلا حازما " . ( 3 ) الطبري 5 : 89 . ( 4 ) في الأصول : " فقال " وصوابه من الطبري . ( 5 ) كذا في أ ، ج ، وفي ب : " أمرك " .